gototopgototop

منوعات

  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
  • 6

العقل جوهرة الإنسان

concious-mind
العقل جوهرة الإنسان
 
ب قلم: أ. شهيرة حيدر
 
الإنسان هو سيد المخلوقات لا منازع , مخلوق عجيب سُخر كل شيء له .
سُخر الماء والهواء , سُخر الحجار والنبات والحيوان , سُخر الأرض والشمس
والقمر والكواكب والكون بأسره لشؤونه وأغراضه !
ولئن كان الإنسان قد صدرعن الطبيعة , كأي شيء آخر, إلا أنه الحيوان الوحيد الذي استطاع أن يغير الطبيعة ويسيطر عليها ويرتفع بها إلى مستوى أغراضه الإنسانية .
أجل ,إنه الحيوان الوحيد الذي استطاع بمخترعاته أن يتحدى العوامل الجغرافية والمؤثرات الطبيعية والجاذبية الأرضية وشتى العوائق المادية,وكيف لا يحق له أن يصبح سيد الخليفة وهو يرى كل ما حوله أعجز من يحدث تغييراً طفيفاً فيما حوله .
لقد اكتشف ذاته واكتشف قدرته , فانطلق يذلل الصُعبَ ويروض الوحش ويحيي القفر ويبدد الظلام وينشر النور .
لقد أخضع الأشياء لسلطانه , وعنت الموجودات لقبضة يده ...
لقد سيطر على الحياة والموت والمرض ...
لقد اقتحم باطن الذرة , واخترق أطباق الأرض , وعلا أجوار السماء , وهو في طريقه إلى الشمس والنجوم .
لقد دانت له الأشياء وتصاغرت , وانصاعت له الكائنات و تخاذلت وتربع على عرش الملك , وأوشك أن يقول : أنا الواحد القهار !!!
فيا عجبي أيَّ عظيم هذا الإنسان !!
إذا استعصى عليه أمر , لم يعجزه حله ؛ وإذا وطئ أرضاً , أينعت ؛ وإذا دخل قفراً أحياه ...
يشق التربة ويدك متون الأرض ويقبض على عنانه بمحراثه وبما استحدث من آلاتٍ
وأدوات ..
لقد ركب البحر مستعيناً بالريح , مجترئاً على الّجج و الأغوار. وركب الجوَّ مجترئاً على الأعالي والقمم حتى احتل مواقع النسور .
وركب الفضاء مجترئاً على الجاذبية والفراغ حتى أخذ يطاول النجوم .فما أدهى هذا الإنسان !
إنه صانع الحضارة وصانع التاريخ وصانع الإمبراطوريات !
لم يُعلم لوجوده بداية , ولا يُعلم لبقائه نهاية , ولعله لا يموت ولن يموت !
بالعقل صنع الإنسان مصانع . فكل هذا من أمجاد العقل , وكل هذا من آياته الباهرة.فالعقل هو أعلى مراحل الإنسان وهو التفسير الكبير للإنسان !
إنه كالطفل الصغير , يتراقص نوره ويتوهج نوره ليضيء لنا الظلمات , ويكفينا الملمات , ويهدينا سواء السبيل !
إن قوى العقل قوى فذة لاتُحد , قوى لا يعدلها شيء ولا يقارن بها شيء , فهي كل شيء ولولاها لم يكن شيء .إنها الإنسان وهي سر الوجود .
وليس في وسعي الآن أن أتكلم عن المقدرة والبراعة اللتين أنجزتا معجزة الإنسان وقوى العقل فيه , وإنما أترك ذلك للغد الذي سيتيح لنا اكتشافات رائعة في هذا السبيل , حيث تغزو العلوم النفسية معاقل هذا الإنسان كما غزت العلوم الطبيعية معاقل الذرة وحطمتها , وحيث تقتحم تجارب العلماء حميم هذه المعاقل وتُفيد منها , كما اقتحمت الذرة وكما نحن على عتبة الإفادة من قواها الكافية التي لا تُحد . وسوف يتحقق انقلاب عنيف في أوضاع الحياة وظروفها لا تدرك أبعاده . وعندئذٍ نستهل عهداً جديداً نسبته إلى عهودنا كنسبة عهود إنسان الغابات إلى إنسان القرن الواحد والعشرين .
وستتبدل الأرض غير الأرض والسموات ...
وسنشهد فتحاً جديداً في علم النفس لم يسبق له مثيل , وستحقق التجارب أن هذا الإنسان هو كل شيء و فوق كل شيء وقادر على كل شيء !
ولكن كم كان الثمن الذي دفعه الإنسان حتى كان كل هذا ؟
هنا المأساة وأي مأساة !!
لقد كان المفروض أن يكون الإنسان سعيداً بمقدار نصيبه في العقل ؛ ولكن العكس هو الصحيح .
فعلْ الإنسان محسوب عليه , وكل شيء في هذا العالم له ثمنه هكذا قضى منطق الوجود .
الإنسان أشقى الكائنات وأتعسها , وما ذلك إلا لأنه يفكر فليس سوا الإنسان من يتألم بالتفكير , وليس سواه من يشقى بالتفكير .
فالحيوانات والنباتات والجمادات , أحسن حظاً منه لأنها سُلبت العقل وحُرمت من التفكير , فالحيوان يمرض ويشقى وتنزل به الكوارث ويموت , ولكنه لا يدرك المرض والكارثة والموت .
إن البهائم تجوع كما نجوع , ولكنها في منجاة من همِّ الرزق والعمل والبطالة , وهي تفقد أولادها كالإنسان , ولكنها لا تتمثل لها صورة المشكلة كما تتمثل للإنسان, وهي تتوجع كما نتوجع , وتتألم كما نتألم , ولكن لا يساورها ما يساور الإنسان مما يأكل القلوب , ويُقرح الجفون ويقضي  المضاجع , ويفتت الأكباد , وإذا أردنا أن نعبر عن حالها بلغة إنسانية قلنا إنها في غيبوبة عقلية لا تستطيع معها تقدير ما يقع عليها , إنها تتحمل أشياء وتؤدي أعمالاً لا تدرك كنَّها ولا تفهم ما معناها , أجل إنها في غيبوبة أفقدتها الحكم على الأشياء . فهي على الرغم مما تتعرض له من كوارث ومحن لا يتصورها الإنسان . إلا أن التعرض للكارثة , في اللحظة الحاضرة شيء , والقدرة على تصورها في الذهن واسترجاعها وإمعان النظر فيها في الماضي والمستقبل شيء آخر . فالحيوان لا يعرف غير اللحظة التي تمر دون أن يستشعر وخز الزمان وتركيز الديمومة , وإنما هو يعيش مجموعة من الحالات المنفصلة وكمية من الأنات المتباعدة التي تظل على تفككها ما لم يجمعها عقل الإنسان ويربط بينها ويوثق عراها ويؤكد مجده , في نفس الوقت الذي يدك عرش سعادته .
فإذا تجاوزنا الحيوان إلى النبات فقد بلغنا جنساً من الكائنات له حظٌ من حياة , ولكنه ضئيل بالقياس إلى حظ الحيوان , وإذن فحظه من إدراك المرض والموت و... أقل من حظ الحيوان , هذا إذا كان للحيوان حظٌ منه .
فإذا تركنا النبات إلى ما هو أدنى منه رتبة , إلى الجماد الذي لاْ حظَّ له من حياة وبالتالي لاحظ من فكر , فهناك السعادة العظمى التي لا ينغصها شقاء , وهناك الراحة الكبرى التي لا يشوبها ألم .
فأي إنسان يتمنى هذه الحال ؟
فالعقل هو الذي يجعل الآلام الإنسانية أكثر تجدداً في الشعور , وهو الذي يغرق بينها , وكما أنه عنوان مجد الإنسان فهو أصل بلائه .
فهو يتصور أشياء غير موجودة , ويخلق لنفسه مخاوف وآمالاً لا حقيقة لها . وهو وحده الذي يعيش في التاريخ والمستقبل , ويتقلب في المحال والحقيقة والوهم واللامعقول , وينتقل في الزمان والمكان , ويعبر الآفاق والأبعاد ويطير كل مطار , ومن هنا فإن العقل هو وحده الذي يخشى المرض وهو وحده الذي أنتج تلك الرهبة المصطنعة من الموت , فإذا كان الحيوان - كالإنسان - متمسكاً بالحياة , إلا أنه يختلف عن الإنسان في أنه يخشى المرض ولا يهاب الموت . فكما يخشى الكائن الحي المرض والموت لابد أن يكون على علم بهما مقدماً , ولابد أن يتوقعهما ويتنبأ بحدوثهما , وأن يستطيع التفكير في عقبى المرض وفراق الأحبة وسكرات الموت , وتصور الجثة والفساد وديدان القبر ووحشته ومصير الموتى وراء القبور . وإن ما نرى في الحيوان مما نتخيل انه تهيب من الموت إنما هو في الحقيقة دفاع عن بقائه ووجوده والتشبث بأوضاع نشأ عليها لا يرَ منها فكاكاً , هذا كل ما في الأمر.. وأما الخوف من الموت بالمعنى الإنساني فهو عمل ميتافيزيقي بحت يتطلب تركيزاً عقلياً قوياً لا يعرفه  الحيوان . إن المرض لا يخيف ؛ ولكن الذي يخيف إنما هي فكرة المرض . وكذلك الموت لا يخيف , ولكن الذي يخيف إنما هي فكرة الموت .
فهو ليس مخيفاً في ذاته بل في تقديرنا النفسي له . أي أنه لا يخيف كواقعة , بل كفكرة تتسلط على الإنسان وتنغص عليه وجوده . ومعنى ذلك أن التفكير في المصيبة في منطق الوجود الإنساني والمهم في كل ذلك إنما هي الفكرة , فإن للحيوان هذه الفكرة ! فهو ليس له ذاكرة يختزن فيها الصور والمعاني , وبالتالي ليس له قدرة على التنبؤ بالمستقبل , بل هو في سِنةٍ دائمةٍ ونوم مستمر كأنه حياة الأحلام ؛ ومن هنا كانت سعادتهم وكان حبوره .
السبب في ذلك أن الإنسان ليس مجرد وجود , إنما هو وجود وتقويم (تقييم) للوجود.
وهنا مصدر شقائه . إنه لا يعيش فقط , وإنما هو يعيش , وإدراكه هذا يبني له حدود وجوده , ومن هنا تتعارض أبعاده مع مطامحه وآماله , ويفطره ذلك إلى ألوان من الآلام وضروب من  اليأس والقنوط لا يجدها كائن غيره . وبعبارة أُخرى, أن الإنسان لا يعيش واقعه الفج بحسب ,إنه لا يعيش ذاته وظروفه فقط , بل هو يتجاوز هذا الواقع ويتخطى تلك الظروف , وهذا من مآسيه وإن كان أيضاً من مزاياه . فهو محتاج دائماً إلى أن يتجاوز نفسه ووضعه , لأنه لا يستطيع أن يعيش قابعاً في داخل حدود ذاته . ومعنى ذلك أنه لا يمكن أن يحقق ذاته إلا بمقدار خروجه عن ذاته والذهاب بعيداً عنها . فنحن ((محبوسون خارج ذواتنا)) . وربما كان سر الإنسان وقوام وجوده أنه يتوهج ويزداد كينونة حيث هو غير موجود أكثر منه حيث هو موجود . ولذلك نراه دائماً يعدو وراء ذاته ينشدها في مظانِها ويجدُّ في طلبها دون أن يدركها أو أن يظفر منها بطائل . ((إن الإنسان ما هو إلا عملية مفارقة مستمرة للذات )) . فهو يتحرك من الداخل لا بالظروف الخارجية التي يضغط على جسمه الترابي . إنه ليس جهازاً آلياً سلبياً يبقى كما هو في الرقعة التي يكون فيها , بل هو تطور تاريخي خالق يحيى من باطن بشيء أكبر كثيراً من وجوده المكاني . إنه يحيا بالأفكار والقيم والمعاني . عنه لا يستطيع أن يكون موجوداً فقط يتغذى بحشرات الأرض وبقولها وفومها وبصلها وعدسها , ويتناسل كالحيوانات بلا أمل ولا مستقبل ولا رسالة , وبدون أن يحاول الصعود إلى القمم . فقيمة الحياة ليست في الحياة نفسها . بل في القدرة على توجيهها وفي الأحداث التي تقع فيها وبما فيها من حرية وكرامة وإبداع . فالحياة الإنسانية مشروطة دائماً ببعض القيم والمعاني , والحيوان وحده هو الذي يقبل حياته بلا شروط ويعيش بلا معنى . ولا يقبل الإنسان أن  يعيش بلا معنى إلا إذا ارتضى لنفسه أن يتردى إلى أعماق الهوان والمذلة , وبالتالي إذا كان حيوان . فالبشر مهما هانوا واستكانوا يحيون دائماً ببعض المعاني والقيم , ما لم يفقدوا كل تقدير لأنفسهم .
ومعنى ذلك أن العقل ليس ملكة معرفة الواقع فحسب , إنه أيضاً ملكة إدراك الممكن. ومن ثم نرى أن العقل يسير دائماً في اتجاه تعديل البيئة وتغييرها . وأن الإنسان يؤثر في الأشياء ويوفق بينها وبين حاجاته الخاصة , بينما الحيوان يتطابق مع الأشياء وينساق بالظروف التي تحيط به . فالحيوان يقبل الظروف كما هي , وأما الإنسان يخلق الظروف . ولئن هو قبل بعض الظروف فإنما هو يقبلها ليغيرها ويصرفها في غاياته وأغراض وجوده , أي ليبدعها ويخلقها من جديد . وأحياناً أن الإنسان بحاجة إلى الحس وفتور الشعور ليستطيع أن يعيش , بل ما أشد حاجتنا إلى أن نكون سخفاء في بعض الأحيان !
إننا لا نستطيع أن نحيا أو أن نسعد إذا كان العقل رائدنا في كل صغيرة وكبيرة في أمورنا , وإذا استبعدنا الوهم والخرافة عن مجال حياتنا .
فالنور يقتل أحيانا وكم أحبَ أقوامٌ الظلام لأنه يريحهم !!
وإني لا أعجب لمَ تميز الإنسان عن الحيوان وعن الأشياء فلم يحصد إلا الشوك والحنظل , والألم والبؤس والشقاء والحرمان ؟!
لما كانت هذه الآفات هي الضريبة الفادحة لإنسانيتنا ؟
هل صحيح أن مجد الإنسان إنما هو في دفع هذه الضريبة وفي مقدار حظه منها , أم لعل هذا التعليل بضاعة عقلية بحتة ونوع من العزاء نبرر به باهظ ضريبتنا ؟
إن خلق الإنسان لشقائه وتعذيبه , يفوق كل أنواع العبث والسخرية !
إن هذا لا يمكن فهمه إلا بالجنون !
أن كل ما في الكون من نجوم وأقمار وزهور وبدائع وجنات تجري من تحتها الأنهار لا يساوي دمعة واحدة تزرفها عين أضناها الأسى أو آهة تطلقها حنجرة أشقاها الحرمان والشعور بالضياع !
 
((ترى هل أنظر جيداً أم أنا في ضلال مبين ؟؟!